الفضاء السيبراني كسلاح: كيف توظف الإخوان التقنية لنشر الفوضى؟
خطاب مزدوج وأجندات خفية

الفضاء السيبراني كسلاح: كيف توظف الإخوان التقنية لنشر الفوضى؟
شعاع نيوز – في لحظة توتر إقليمي وسياسي، على خلفية الحرب في غزة نتيجة الهجمات المباغتة التي شنتها حركة حماس ضد إسرائيل، برز الإعلام الرقمي كمنصة فاعلة للشحن والتعبئة والتأثير على الرأي العام. في حين لم تتوانَ جماعة الإخوان، المصنفة على قوائم الإرهاب في عدد من البلدان العربية، عن توظيف هذا الإرهاب في ممارسة العنف والتحريض، فضلًا عن نشر الشائعات خاصة ضد خصومها سواء كانوا من المحليين أو الإقليميين. واستغلت الفضاء الإلكتروني لنشر حملات دعائية تشكك في جهود الدول التي دعمت فلسطين، ولا سيّما مصر والإمارات.
وحاولت الدعاية التلفيقية لجماعة الإخوان أن تشوّه الدور المصري والإمارتي لوقف الحرب في غزة، والدعم الإغاثي والإنساني. فروّجت الجماعة الإرهابية عدة شائعات؛ منها مشاركة القاهرة في حصار غزة، ومنع وصول المساعدات، فضلًا عن تشويه الدور المصري بالمفاوضات. وثمّة تماثلات في الدعاية بحق الإمارات، فقد روّجت جماعة الإخوان مع ميليشيات الحوثي المدعومة من إيران عدة إشاعات ملفقة ضدها، لكنّها كانت شائعات فجّة ومثيرة للسخرية والامتعاض، وتمّ الترويج لمقطع فيديو قديم يظهر فيه طيران الإمارات كأنّه يشارك في قصف غزة.
التخادم الحوثي الإخواني
وكشف محللون سياسيون وخبراء مختصون لصحيفة (الأمناء) تورط وسائل إعلام التخادم الحوثي الإخواني في هذه الفضيحة، التي تُعدّ واحدة من سلسلة فضائح هذا التخادم المشبوه الذي دأب كعادته على مهاجمة دولة الإمارات العربية المتحدة مع كل نجاح سياسي أو عسكري أو إنساني تحققه على أرض الواقع.
وأكدوا في سياق تصريحاتهم أنّ مقطع الفيديو يعود تاريخه إلى العام 2018 حين شاركت دولة الإمارات بطائرات (إف 16) في مناورة لمواجهة تنظيم (داعش) في العراق وسوريا، ضمن تحالف دولي شاركت فيه اليونان وأمريكا وإسرائيل وبريطانيا ودول عربية وعالمية. وتكشف المغالطات الإخوانية الحوثية، بحسب محللين، حقيقة التخادم الإسرائيلي مع الأذرع الإيرانية في اليمن، وتستهدف الشائعات الإجماع العربي ونقل المعركة إلى الداخل.
وأكد السياسيون والخبراء، وفق الصحيفة اليمنية، أنّ شائعات مشاركة طائرات إماراتية في قصف غزة، التي روّجت لها وسائل الإعلام الحوثية والإخوانية، تزامنت مع الدعم السخي الذي قدّمته وما زالت تقدّمه دولة الإمارات لأبناء غزة وفلسطين المتضررين من الحرب التي يشنها العدو الصهيوني، وذلك من خلال دعم الإمارات في حملتها الإنسانية “تراحم من أجل غزة”، وكذلك مواقفها العربية مع مختلف القضايا ذات الشأن العربي والإسلامي وإعلان مواقفها الواضحة إلى جانبها في كافة المحافل الإقليمية والعربية والدولية.
إذاً، عادت الجماعة إلى استخدام أدوات التضليل القديمة، مثل تكرار فيديوهات قديمة، وخلق سرديات وهمية ، ثم تصوير أحداث مختلقة لخدمة أهدافها. وتدير الجماعة لجانًا إلكترونية تنشر عبر حسابات مزيفة ومنصات متعددة، أحيانًا بتنسيق مع جهات خارجية، في محاولة لتضليل الجمهور العربي عبر شبكات وهمية.
اقرأ|ي أيضاً| جماعة الإخوان والقضية الفلسطينية.. صناعة التضليل لجمع التبرعات
تضليل ممنهج
ويمكن القول إنّه في ظل التطور التقني والاتصالات الحديثة، تظل وسائط وعمليات تضليل الرأي العام خفية، لكنّها مؤثرة. وبعد حرب غزة ظلت جماعة الإخوان تسعى لاستخدام الفضاء الرقمي كوسيلة للتشويه وإعادة إنتاج خطاب عدائي يستهدف استقرار الدول العربية.
الإرهاب الرقمي الذي تمارسه جماعة الإخوان يمثل اليوم أحد أخطر التحديات الأمنية والفكرية في المنطقة، وكذلك في الفضاء الأوروبي. وقد نجحت هذه الجماعة، عبر شبكاتها المنتشرة في القارة، في تطوير منظومة رقمية معقدة توظف المنصات الاجتماعية، وتطبيقات المراسلة المغلقة، والمواقع الإخبارية الموجهة، لنشر خطاب الكراهية، وتغذية الانقسامات المجتمعية، وتجنيد الأفراد، خصوصًا بين فئات الشباب والمهاجرين. هذه المنظومة لا تعتمد فقط على الرسائل المباشرة، بل تتبنّى أساليب أكثر تطورًا تشمل إنتاج محتوى إعلامي يبدو ظاهريًا معتدلًا أو حقوقيًا، لكنّه يحمل رسائل مشفرة وممنهجة تستهدف تكريس الانقسام وبناء حالة تعبئة نفسية وسياسية على المدى الطويل.
ويشير الصحفي السوري المقيم في باريس شيار خليل إلى أنّه في السياق الأوروبي، تستفيد الجماعة من هامش الحريات الواسع في الفضاء الرقمي، ومن القيود القانونية التي تحدّ من الرقابة الاستباقية، لتعيد تدوير خطابها عبر واجهات متعددة، تبدأ من صفحات إلكترونية تروّج للقضايا الإنسانية أو الدفاع عن الحقوق المدنية، وتنتهي بمجموعات مغلقة تبث تحريضًا مباشرًا على العنف أو تمجيد العمليات الإرهابية. هذا النمط من النشاط يتداخل مع قضايا أخرى مثل التضليل الإعلامي، وتجنيد المقاتلين الأجانب، وتمويل أنشطة خارج أوروبا، وهو ما يضاعف من تعقيد المواجهة.
ويقول خليل لـ (حفريات): إنّه في مواجهة هذا الخطر تبنّت الحكومات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة مزيجًا من الأدوات التشريعية والأمنية والتقنية. على الصعيد القانوني اتجهت دول مثل فرنسا وألمانيا إلى سنّ قوانين تُجرّم نشر المحتوى المتطرف أو التحريضي على الإنترنت، مع فرض التزامات واضحة على شركات التكنولوجيا الكبرى لإزالة المحتوى المخالف خلال مدد زمنية قصيرة. وعلى الصعيد الأمني عززت الأجهزة الاستخباراتية تعاونها على المستوى القاري، مع تبادل قواعد بيانات خاصة بالحسابات والمنصات المشتبه بها. أمّا على الصعيد التقني، فقد توسعت عمليات الرصد الرقمي، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل أنماط النشر وتحديد مصادر الحملات المنظمة.
إضافة إلى ذلك، بدأت بعض الحكومات الأوروبية الاستثمار في استراتيجيات الخطاب المضاد، من خلال دعم مبادرات المجتمع المدني والمنظمات الشبابية لإنتاج محتوى بديل يفكك سرديات الإخوان ويكشف خلفياتها السياسية والإيديولوجية. هذا الخطاب البديل يسعى إلى تقديم رواية إنسانية وعقلانية، تعزز قيم التعددية والانفتاح، وتحصّن الفئات المستهدفة من الانجرار خلف الدعاية المتطرفة.
ومع ذلك، فإنّ التحدي الأكبر يكمن في “الموازنة بين حماية الأمن القومي” و”الحفاظ على حرية التعبير”، وتحرص الحكومات الأوروبية على تجنب خلق انطباع بالملاحقة الفكرية أو التقييد المفرط للحريات، وهو ما تحاول الجماعة “استغلاله للترويج لنفسها كضحية”. لذلك فإنّ نجاح المواجهة سيعتمد على “بناء بيئة رقمية أكثر أمانًا ووعيًا، مع تنسيق أوروبي موحد يدمج الإجراءات الأمنية، والتشريعات الفعّالة، والتوعية المجتمعية، لكسر حلقة التأثير التي يفرضها الإرهاب الرقمي العابر للحدود”.



