شتات الإيديولوجيا.. قراءة في تصدعات” الإخوان” تجاه الصراع الإيراني الإسرائيلي

شعاع نيوز – تطرح الدراسة التي أعدتها الدكتورة شرين محمد فهمي، مدرسة العلوم السياسية، ونشرها مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، تساؤلاً جوهرياً حول التماسك التنظيمي لما كان يُعرف بـ “التنظيم الدولي للإخوان المسلمين “في ظل واحدة من أعقد اللحظات الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة.

تنطلق الدراسة من رصد دقيق لتباين ردود الأفعال داخل أفرع الجماعة تجاه التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، وهو التباين الذي لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحول إلى “انشطار بنيوي” يعكس أزمة عميقة في تعريف الجماعة لنفسها ولأولوياتها.

ترى الدراسة أنّ الحرب الحالية في غزة وتداعياتها الإقليمية، وخاصة دخول إيران كلاعب مباشر، قد كشفت عن “تآكل المركزية التنظيمية”، حيث لم تعد الأفرع القُطرية تلتزم بسردية موحدة، بل باتت مواقفها رهينة للسياقات المحلية والمصالح الضيقة لكل فرع على حدة، ممّا يضع مفهوم” الأممية الإخوانية” تحت مجهر التفكيك والمساءلة.

الضغوط المحلية وتآكل السردية العابرة للحدود

تؤكد الدراسة أنّ العامل الأول والأبرز في هذا الانقسام هو “طغيان المحلي على الدولي”. فبعد عقود من الترويج لفكرة “الجماعة الواحدة” التي تأتمر بأمر مكتب إرشاد عالمي، أثبتت الأزمات المتلاحقة أنّ كل فرع بات يغرد داخل سربه الوطني خوفاً من الإقصاء أو الملاحقة.

وفي الصراع الحالي نجد أنّ الأفرع التي تعيش في دول ذات علاقات متوازنة مع الغرب، أو تلك التي تحاول استعادة شرعيتها السياسية، تبنت خطاباً حذراً يبتعد عن الانخراط الصريح في المحور الإيراني.

هذا” الانكفاء القُطري “جعل من المستحيل على الجماعة صياغة موقف موحد يتجاوز الشعارات العاطفية، حيث وجدت القيادات نفسها ممزقة بين ضرورة مغازلة الشارع السنّي المتعاطف مع قضية فلسطين، وبين خشية الانزلاق في فخ “التشيع السياسي” الذي قد يكلفها ما تبقى من رصيدها الشعبي في دول مثل الأردن والمغرب ومصر.

الموقف من إيران: بين الضرورة الحركية والحساسية المذهبية

تتعمق الدراسة في تحليل العقدة الإيرانية داخل الفكر الإخواني، مشيرة إلى أنّ الحرب الأخيرة وضعت الإخوان في مأزق “التقية السياسية”. فمن جهة، تمثل إيران الداعم اللوجستي والعسكري الأبرز لحركة (حماس (الفرع الفلسطيني للجماعة، ومن جهة أخرى، تدرك بقية الأفرع أنّ التماهي الكامل مع طهران يمثل” انتحاراً سياسياً” في بيئات سنّية ما تزال تنظر بريبة للمشروع التوسعي الإيراني.

وترصد الباحثة تبايناً حاداً بين “جناح الصقور” الذي يرى في التحالف مع إيران ضرورة وجودية لمواجهة إسرائيل، وبين” الجناح التقليدي” الذي يخشى من ضياع الهوية السنّية للجماعة. هذا الانقسام أدى إلى ظهور خطاب إخواني متلعثم، يحاول دعم المقاومة في غزة دون مباركة النفوذ الإيراني في العراق وسوريا واليمن، وهو توازن هش بدأ يتداعى مع تزايد الضربات المتبادلة بين طهران وتل أبيب، ممّا أجبر الأفرع على اتخاذ مواقف متباينة تعكس عجزها عن التوفيق بين المصلحة الحركية والشرط العقدي.

إخوان الأردن: التجييش الشعبي طوق نجاة تنظيمي

تتوقف الدراسة بشكل مفصل عند نموذج “جبهة العمل الإسلامي” في الأردن، كأحد أكثر الأفرع صخباً في الأزمة الحالية. وترى الباحثة أنّ إخوان الأردن استغلوا الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية لتحقيق مكاسب داخلية، عبر تحويل الشارع إلى ساحة ضغط على الدولة. الموقف الإخواني في الأردن كان الأكثر تماهياً مع سردية” وحدة الساحات”، ليس حباً في إيران، بل رغبة في استعادة الزخم الشعبي المفقود.

وتوضح الدراسة أنّ الجماعة في الأردن حاولت توظيف” العاطفة الدينية “للقفز فوق الخطوط الحمراء السياسية، وهو ما أحدث شرخاً في العلاقة مع مؤسسات الدولة الأردنية. هذا النموذج يوضح كيف يمكن للفرع المحلي أن يتبنّى موقفاً راديكالياً يتناقض مع مواقف أفرع أخرى في دول مثل تونس أو المغرب، حيث تغلب الحسابات البراغماتية والمشاركة في النظام السياسي على منطق التجييش والصدام.

المغرب وتونس: البراغماتية في مواجهة المزايدة

في المقابل، ترسم الدراسة صورة مغايرة لمواقف إخوان المغرب (حزب العدالة والتنمية(، وتونس (حركة النهضة). في المغرب وجدت الجماعة نفسها في موقف حرج بسبب اتفاقات التطبيع التي وقعتها الدولة عندما كانت الجماعة في السلطة.

هذا القيد جعل خطابهم تجاه الصراع الحالي مكتوماً ومحصوراً في إطار التضامن الإنساني، مع تجنب تام لأيّ إشادة بالدور الإيراني الذي يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المغربي في ملف الصحراء.

أمّا في تونس، فإنّ انشغال الحركة بأزماتها الداخلية وملاحقة قياداتها جعل من موقفها مجرد صدى باهت لا يقدّم ولا يؤخّر في موازين القوى. هذا التفاوت، كما تشير الدراسة، يؤكد أنّ مفهوم “التنظيم الدولي” بات مجرد لافتة فارغة، وأنّ المحرك الفعلي للمواقف هو ميزان القوى المحلي والقيود السياسية التي تفرضها كل دولة على فرع الجماعة لديها.

حماس كطرف فاعل: الاستثناء الذي أحرج القاعدة

تعتبر الباحثة أنّ حركة حماس في هذه الحرب لم تعد تتصرف كفرع للإخوان المسلمين، بل كلاعب إقليمي مستقل مرتبط عضوياً بـ” محور المقاومة” الذي تقوده إيران. هذا التحول وضع بقية أفرع الإخوان في حرج بالغ؛ فحماس التي ترفع شعارات الإخوان تتبنّى في الواقع استراتيجيات إيرانية، وهو ما دفع أفرعاً إخوانية في دول الخليج وبعض الدول العربية إلى محاولة “الفصل الجراحي” بين دعم القضية الفلسطينية وبين رفض الممارسات السياسية لحماس وارتباطاتها الإقليمية.

وتخلص الدراسة إلى أنّ حماس بقرارها الانخراط الكامل في الصراع الإيراني الإسرائيلي قد وجهت ضربة قاضية لوحدة الصف الإخواني، حيث كشفت أنّ المصالح الميدانية والعسكرية قد تطيح بكل الروابط التنظيمية التاريخية، ممّا جعل التنظيم الدولي يبدو كـ “رجل مريض” يراقب أحداثاً لا يملك القدرة على توجيهها أو حتى التوافق حول توصيفها.

استشراف مستقبل “التنظيم المتشظي”

تختم الدراسة بخلاصة مفادها أنّ التباين في مواقف الإخوان تجاه الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني هو “إعلان رسمي” عن نهاية حقبة التنظيم الشمولي. الحرب الحالية لم تكن سوى المختبر الذي كشف زيف الوحدة الفكرية والتنظيمية، وأثبت أنّ الإخوان قد تحولوا إلى “جزر منعزلة “تتصارع فيها الرؤى بين الانتهازية السياسية، والضرورة الأمنية، والتبعية الإقليمية.

الدراسة تعمق الفهم حول حالة التآكل الذاتي التي تعيشها الجماعة، حيث لم تعد قادرة على تقديم إجابة موحدة لتحديات الإقليم، وباتت عالقة في منطقة رمادية لا ترضي الشارع ولا تطمئن الأنظمة، ممّا يرجح استمرار حالة التفكك وتحول الجماعة إلى ظواهر محلية متناقضة، يجمعها الاسم ويفرقها كل شيء آخر، من المصلحة إلى الإيديولوجيا.

مواضيع ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى