“نصرة القدس” أم أداة نفوذ؟ خفايا توظيف الإخوان للقضية الفلسطينية

شعاع نيوز – يتجدد الجدل حول توظيف جماعة الإخوان للدين في معاركها السياسية، لكن المعطيات الأخيرة تكشف أن الأمر لم يعد مجرد خطاب تعبوي، بل استراتيجية متكاملة تقوم على استغلال القضايا المقدسة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لتحريك الشارع وتحصيل الموارد وبناء النفوذ، في مشهد يعكس براغماتية حادة تتخفى وراء شعارات دينية.
هذا التداخل الممنهج بين المقدّس والسياسي لم يكن طارئًا، بل يمثل جوهر المشروع الإخواني منذ نشأته، حيث جرى توظيف الدين كأداة تعبئة وتجنيد، قبل أن يتحول إلى وسيلة ضغط سياسي واقتصادي، تُدار من خلالها شبكات التمويل وتُعاد صياغة أولويات التنظيم وفق منطق الصراع على السلطة لا منطق القيم أو المبادئ.
وبحسب ما أورده مقال تحليلي منشور في بوابة “الأهرام”، فإن الجماعة استغلت لسنوات طويلة عاطفة الجماهير تجاه القدس، عبر حملات تبرع وشعارات دينية، بينما جرى توجيه جزء معتبر من هذه الأموال إلى أنشطة تنظيمية ومصالح خاصة، في غياب أي رقابة حقيقية أو شفافية مالية.
وتكشف هذه المعطيات عن بنية مالية معقدة داخل التنظيم، تقوم على استثمار القضايا الكبرى كمدخل لجمع الأموال، حيث يتم تسويق العمل تحت غطاء “نصرة الأقصى” أو “دعم فلسطين”، بينما تتحول الموارد لاحقًا إلى أدوات لتعزيز النفوذ الداخلي وتمويل شبكات موازية تعمل خارج الأطر القانونية.
في السياق ذاته، يؤكد باحثون أن الجماعة لم تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني بقدر ما اعتبرتها أداة استراتيجية لتعبئة القواعد، وتوسيع دائرة الأنصار، بل واستخدامها كورقة ضغط ضد الأنظمة، عبر خطاب تخويني يسعى إلى تقويض الثقة في الدولة الوطنية وإضعاف مؤسساتها.
هذا التحول لم يقتصر على الخطاب، بل امتد إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي، حيث نجحت الجماعة، خاصة منذ سبعينيات القرن الماضي، في نقل القضية الفلسطينية من إطارها القومي إلى إطار ديني حصري، ما منحها قدرة أكبر على الاستقطاب العابر للحدود، لكنه في المقابل ساهم في تسييس الدين وتديين الصراع بشكل معقد.
ومع تأسيس حركات مرتبطة بها في فلسطين، دخلت الجماعة مرحلة جديدة من توظيف القضية، انتقلت فيها من العمل الدعوي إلى الانخراط في الصراع المسلح، بما يخدم حضورها السياسي ويعزز موقعها داخل المشهد، حتى وإن جاء ذلك على حساب تعقيدات إضافية في الواقع الفلسطيني نفسه.
الأخطر أن هذا النهج استمر في السنوات الأخيرة، حيث برزت محاولات واضحة لإعادة توظيف القضية الفلسطينية بعد أحداث إقليمية مفصلية، من خلال حملات إعلامية وتحريضية، استهدفت التشكيك في أدوار دول محورية، وترويج روايات مضللة بهدف إعادة تموضع الجماعة واستعادة جزء من تأثيرها المفقود.
وفي موازاة ذلك، تتكشف أبعاد أخرى تتعلق باستغلال التبرعات، حيث تشير شهادات وخبرات أكاديمية إلى أن جزءًا من الأموال التي جُمعت باسم العمل الخيري جرى توظيفه في إنشاء كيانات اقتصادية تابعة للتنظيم، تدر أرباحًا وتُستخدم كأذرع مالية، بما يعكس تحوّل الجماعة إلى ما يشبه شبكة مصالح اقتصادية مغطاة بخطاب ديني.
كما أن هذا السلوك لم يكن منفصلًا عن تاريخ الجماعة، إذ تعود جذوره إلى عقود سابقة، حين استُخدمت الحملات المرتبطة بالقضية الفلسطينية لتجنيد الشباب وجمع الأموال، في ظل ظروف سياسية سمحت بتمدد التنظيم، قبل أن يتضح لاحقًا أن جزءًا من تلك الموارد وُجّه لخدمة أهداف سياسية وتنظيمية ضيقة.



