من قواعد الفكر الإخواني: خوارج من يعارضون التنظيم

من قواعد الفكر الإخواني: خوارج من يعارضون التنظيم
شعاع نيوز – تبقى أي منظمة قوية وبعافية ما ألزمت نفسها بقيم الديمقراطية وتداول الرأي، وانسياب المعلومات داخلها في كل اتجاه سواء من القيادة إلى الأعضاء أو العكس، وتبذل المنظمات جهداً متواصلاً في تطوير بنيتها ونظم العمل داخلها لكي تضمن هذا التواصل المستمر والفعال، ويصبح هذا واجباً إذا ما ادعت تلك المنطمة أنها تدعو للدين وتحرص على التقيد بآدابه، لكن جماعة الإخوان ببنيتها الأقرب إلى العسكرة أو التنظيم الأمني، تحرص دائماً على أن تبقى الصيغة الحاكمة هي: قيادة مطاعة وجنود لا يجيدون النقد أو طرح الأسئلة، ومن ثم تصبح فكرة بروز معارضة فكرة مستبعدة تماماً يتعامل معها التنظيم باعتبارها محاولة لشق الصف وتدمير الجماعة، ونعت أصحابها بأنهم يشبهون حال “المرجفين في المدينة”، في إشارة إلى المنافقين داخل الجماعة المسلمة الأولى، ممن يسعون لتدمير روح الجماعة وإشعارها بالهزيمة، وهي إسقاطات متكررة في واقع كل الجماعات الإسلامية، التي تتصور أنها الأمينة على وحي السماء، وأنها هي الجماعة المسلمة الباقية التي تواجه العداوات نفسها التي واجهتها الدعوة في صدر الإسلام.
ثقافة السمع والطاعة
وتحفل تفسيرات سيد قطب وحسن البنا بتلك المفاهيم التي ترسخ في نفوس الأعضاء أنهم الامتداد الحقيقي لجيل الصحابة، وأن كل نقد لسلوكهم أو أفكارهم أو حتى وسائلهم أو مناقشة لجدواها، أو الحديث عن المقارنة بين العائد والتكلفة في أي قرار، تعد لوناً من ألوان الفتنة، ويمكن رصد ذلك في كيفية تعامل البنا مع كل محاولة لمراجعته في قرار أو توجه، أو مناقشة لوائح أو نظم ليتبين رسوخ ثقافة السمع والطاعة، ورفض المعارضة أو التنوع الصحي للآراء.
وقد خالف كثيرون حسن البنا في توجهاته وقراراته، وكان من أهم تلك القرارات التي انعكست على مستقبل الجماعة: التحول من فضاء الدعوة والتربية، التي التحفت برداء صوفي في البداية فتح لها قلوب الكثيرين إلى فضاء التدافع السياسي وعسكرة الجماعة، عبر جناح مسلح يسمى في أدبياتها بالنظام الخاص المسؤول عن العديد من الجرائم في الأربعينيات، والتحول للعمل السياسي ومحاولة هدم شعبية حزب الوفد القوة السياسية الأكبر آنذاك، ومحاولة امتصاص فائض الطاقة في المجتمع المصري باتجاه فكرة دينية تزاحم الفكرة الوطنية، وتعبئ الطاقات بعيداً عن المعركة الحقيقة المشتعلة حول المطالبة باستقلال البلاد من الاحتلال الإنجليزي، والتي كان يتزعم النهوض بها حزب الوفد وغيره من القوى السياسية الأخرى..
اغتيال شخصية المؤسس الحقيقي للجماعة
كل هذا لم يرق لوكيل الجماعة ومؤسسها الحقيقي أحمد السكري الذي ضربت عليه دعاية الجماعة ستاراً كثيفاً بهدف إخفاء دوره الحقيقي في بناء الجماعة؛ حيث خالف حسن البنا في هذا التوجه مستحثاً إياه على دفع شباب الجماعة الراغبين في خوض غمار السياسة للعمل تحت مظلة حزب الوفد، تقويةً لهذا الحزب في مواجهة القصر والإنجليز، بدلاً من تفريغ طاقة الشباب وامتصاص حيويتهم في اتجاه خاطئ، أو حتى دفعهم لتقوية حزب آخر كالحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل إذا لم تكن الجماعة راغبة في الانخراط في حزب تتهمه بالعلمانية، لكن البنّا رفض أيضاً هذا المقترح واستبد برأيه على عادته، ولم ينسَ للسكري أنه خالفه في وقت مبكر من العام 1939، وأنه ظل يعانده في كل توجه، فتولت ماكينة الدعاية السرية التابعة للبنا تشويه الرجل وإظهاره بمظهر الوفدي القديم الذي يحن لولائه الأول حتى تصبح مقترحاته متهمة ما انتهى إلى فصله من الجماعة.
ووفقاً للرواية الإخوانية في موسوعة الجماعة التاريخية الرسمية، فإنّ أسباب فصل السكري أنه شن هجوماً على المرشد البنا في مقالات صوت الأمة والكتلة، تتهمه بالاتصال ببعض الشخصيات الأجنبية، وهي اتهامات مرسلة لم يقدم السكري عليها دليلاً كما ذهب المصدر الإخواني، كما اتهم السكري البنا بالاستبداد في اتخاذ القرار، وهو أمر معلوم للجميع من سيرة الرجل، فقررت الهيئة التأسيسية التي شكلها البنا من أشخاص اختارهم توجيه اللوم إليه، واتخذت قرارات بإعفاء السكري –بالإضافة إلى كل من سالم غيث وعبدالسميع الغنيمي- من عضوية الجماعة، لما تعرفه الهيئة من تصرفات السكري واعتباره “مناقضاً للعهد، حانثاً باليمين، خارجاً على الجماعة، محارباً للدعوة” وكذلك كل من اتصل به وناصره.
اقرأ\ي أيضاً| من قواعد الفكر الإخواني: ضرب الروح الوطنية
كما أسهبت أدبيات نشرت في صحف الإخوان تلك الفترة في وصف السمات الشخصية “السيئة” للرجل، التي لم يعتبروها تجريحاً في شخصه، لكنها فقط -وفق رأيهم- تشرح وتفسر أسباب فصله من الجماعة، فهو لديهم رجل “محب للظهور والزعامة، يتجسس على مخاطبات البنا الشخصية، ويسرب للوفد وثائق الجماعة، كما أنه استغل الدعوة لأغراض شخصية”؛ وهي أمور كلها تدخل ضمن تكتيك دفاعي يلجأ له البنا في مواجهة من يعارضه أو ينتقد سلوكه أو آراءه، حيث يغتال مادياً كما جرى مع سيد فايز عبد المطلب الذي صفاه التنظيم الخاص العام 1953، أو يغتال معنوياً عبر الدعاية الإخوانية المركزة التي برع الإخوان في استخدامها في مواجهة خصومهم أو من يستدرك عليهم من أعضاء الجماعة.
القائد الأوحد
وظل البنا لا يثق سوى برأيه وبالأتباع الذين يتمسكون بطاعة عمياء، لذا كان صريحاً على تأكيد أنه يجد صعوبة في اختيار الأتباع بالمواصفات التي يرضاها “إنني أتمنى أن يكون إلى جانبي رجال يفهمون ويديرون، فأسلم إليهم هذا العمل وأرتاح بهم قليلاً وأطمئن إلى مقدرتهم، ولكن أين هم؟ إن الكثيرين لا يفهمون من مجلس الإدارة إلا كلمة العضوية، فهم يتنافسون على حيازتها، وتقع بينهم العداوة والبغضاء”، قائل هذا الكلام ظل مرشداً طوال حياته، ولم يضع منصب المرشد قيد التداول أو التغيير، وكرسته اللوائح التي كتبها هو لجماعته الخطيب والمدير الوحيد والقائد الذي يبرم ما يريد، بينما خلع بأريحية وصف الخوارج على من يخالفه في رأي أو تدبير، وكذلك مضت مسيرة جماعته؛ فهي الحق المبين، ومن يخالفها هم الخوارج الذين يستوجبون القتل لولا أن أحكام الإسلام تميعت في النفوس كما يرى المرشد المؤسس، هذا تصور الإخوان عن الديمقراطية؛ فكيف يمكن لأحد اليوم أن يتحدث عن تجربتهم الديمقراطية التي لم يكملوها!



